في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة، ظهرت شركة اختارت أن تجعل أمان الذكاء الاصطناعي والموثوقية وقابلية التوجيه جزءاً أساسياً من طريقة بنائها للأنظمة الذكية منذ البداية.
هذه الشركة هي Anthropic، التي تأسست في بداية عام 2021 على يد مجموعة من الباحثين في الذكاء الاصطناعي بقيادة الشقيقين Dario Amodei وDaniela Amodei وخلال سنوات قليلة.
انتقلت الشركة من مختبر يركز على أبحاث السلامة والمواءمة إلى واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي، بينما تطور Claude من مساعد للمحادثة والكتابة إلى منظومة تشمل البرمجة، واستخدام الأدوات، والتعامل مع الكمبيوتر، وتنفيذ المهام طويلة المدى.
لكن قصة Anthropic لا تتعلق فقط بتطور Claude، بل أيضاً برؤية الشركة لكيفية بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة يمكن الاعتماد عليها وتوجيهها وفهم سلوكها، وهو ما وضعها مباشرة في منافسة مع شركات مثل OpenAI وGoogle.
ما هي شركة Anthropic ومن أسسها؟

Anthropic هي شركة أبحاث ومنتجات للذكاء الاصطناعي تأسست في بداية عام 2021 بهدف تطوير أنظمة أكثر موثوقية وقابلية للتوجيه، مع التركيز على فهم سلوك النماذج وتقليل المخاطر المرتبطة بزيادة قدراتها، ويقود الشركة الشقيقان Dario Amodei وDaniela Amodei، اللذان يمتلكان خبرة سابقة في أبحاث النماذج اللغوية وسلامة الذكاء الاصطناعي.
منذ البداية لم تتعامل Anthropic مع السلامة باعتبارها مرحلة منفصلة تأتي بعد بناء النموذج، وإنما حاولت دمجها مع عملية تطوير النماذج نفسها، وفي مايو 2021 أعلنت الشركة جمع 124 مليون دولار في جولة Series A، لتمويل أبحاث وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة وقابلية للتوجيه والاعتماد.
وبهذه الرؤية بدأت Anthropic في بناء هوية مختلفة عن مجرد شركة تطور نموذجاً لغوياً، إذ أصبح هدفها الجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي والموثوقية وقابلية التفسير والمواءمة ضمن عملية واحدة.
كيف تحولت Anthropic إلى أحد أكبر شركات الذكاء الاصطناعي؟
مع زيادة حجم النماذج أصبح تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم يحتاج إلى قدرات حاسوبية ضخمة وفرق بحثية وبنية تحتية قادرة على تدريب النماذج وتشغيلها على نطاق واسع، ولهذا بدأ نمو Anthropic المالي والتجاري بالتوازي مع توسع أبحاثها، ولم تعد الشركة تعتمد على دور مختبر أبحاث صغير.
في أبريل 2022 جمعت Anthropic حوالي 580 مليون دولار في جولة Series B لدعم تطوير البنية التحتية والأبحاث المرتبطة بالسلامة والأنظمة واسعة النطاق، ثم في مايو 2023 جمعت 450 مليون دولار في جولة Series C بقيادة Spark Capital وبمشاركة Google ومستثمرين آخرين، مع تركيز التمويل على توسيع منتجات الشركة ودعم Claude ومواصلة أبحاث السلامة.
وفي الوقت نفسه وسعت Anthropic شراكاتها مع شركات الحوسبة السحابية والبنية التحتية، وأصبح الوصول إلى قدرات الحوسبة جزءاً أساسياً من سباقها لتطوير Claude، ومع هذا التوسع تحولت الشركة تدريجياً إلى نموذج يجمع بين الأبحاث والمنتجات والخدمات الموجهة للمستخدمين والمطورين والمؤسسات.
Claude وConstitutional AI أساس استراتيجية Anthropic
كان ظهور Claude نقطة التحول الأهم في رحلة Anthropic، لأنه نقل أبحاث الشركة إلى منتج يمكن للمستخدمين والمطورين والشركات التعامل معه بشكل مباشر، بدأ Claude كمساعد للذكاء الاصطناعي للمحادثة والكتابة وتلخيص النصوص وتحليل المعلومات، ثم توسعت قدراته تدريجياً مع كل جيل جديد.
أطلقت Anthropic أول نسخة عامة من Claude في مارس 2023، ثم جاء Claude 2 في يوليو من العام نفسه مع تحسينات في البرمجة والرياضيات والاستدلال وطول الاستجابات، إلى جانب إتاحة Claude عبر موقع claude.ai وواجهات البرمجة.
وبالتوازي مع تطوير Claude ارتبط اسم Anthropic بمفهوم Constitutional AI، وهو منهج يهدف إلى توجيه سلوك النموذج باستخدام مجموعة من المبادئ والقواعد التي تحدد السلوك المرغوب بدل الاعتماد فقط على التقييم البشري المباشر لكل مخرج.
في هذه المنهجية يمكن للنموذج استخدام المبادئ المحددة لانتقاد بعض استجاباته وإعادة صياغتها، ثم الاستفادة من هذه العملية ضمن مراحل التدريب للوصول إلى سلوك أكثر اتساقاً مع القيم والتعليمات المطلوبة، وأوضحت Anthropic أنها تستخدم تقنيات Constitutional AI في تدريب نماذج Claude منذ عام 2023.
وفي يناير 2026 نشرت الشركة دستور Claude الجديد بالكامل، وأوضحت أنه أصبح عنصراً أكثر مركزية في عملية تدريب النماذج وتوجيه سلوكها، كما أتاحته بموجب ترخيص CC0.
كيف تطور Claude من Claude 2 إلى Claude 4؟

بعد Claude 2 تسارع تطور عائلة Claude مع انتقال الشركة من التركيز على المحادثة والنصوص الطويلة إلى الرؤية والبرمجة واستخدام الأدوات والاستدلال، وفي نوفمبر 2023 قدمت Anthropic Claude 2.1 مع تحسينات في التعامل مع السياقات الطويلة واستخدام الأدوات، قبل أن تنتقل في 2024 إلى جيل Claude 3.
في مارس 2024 أطلقت Anthropic عائلة Claude 3 التي ضمت Claude 3 Haiku وClaude 3 Sonnet وClaude 3 Opus، مع مستويات مختلفة من السرعة والتكلفة والأداء، إلى جانب قدرات رؤية تسمح للنماذج بالتعامل مع الصور بالإضافة إلى النصوص.
اقرأ عن: كلود 3 اوبوس Claude 3 Opus منافس جديد لـ شات جي بي تي.
ثم في يونيو 2024 ظهر Claude 3.5 Sonnet، وركزت Anthropic على تحسين الاستدلال والبرمجة وفهم التعليمات، كما قدمت الشركة ميزة Artifacts التي جعلت التعامل مع المحتوى الذي ينشئه Claude أكثر تفاعلية، ليبدأ المنتج في الاقتراب من مساحة العمل وليس مجرد المحادثة التقليدية.
وفي أكتوبر 2024 طرحت Anthropic إصداراً محدثاً من Claude 3.5 Sonnet إلى جانب Claude 3.5 Haiku، وقدمت في الوقت نفسه ميزة Computer Use في إصدار تجريبي عام.
أتاحت هذه التقنية للنموذج التعامل مع الكمبيوتر من خلال مشاهدة الشاشة وتحريك المؤشر والنقر والكتابة، وهو تطور مهم في الانتقال من إنتاج الإجابات إلى تنفيذ خطوات داخل بيئة رقمية.
وفي فبراير 2025 قدمت الشركة Claude 3.7 Sonnet مع إمكانية العمل بطريقة سريعة أو استخدام التفكير الممتد في المهام التي تحتاج إلى تحليل أعمق، وفي الوقت نفسه كشفت عن Claude Code كأداة للبرمجة الوكيلة من سطر الأوامر، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها Claude قادراً على تنفيذ مهام برمجية بدل الاكتفاء باقتراح الكود.
بعد ذلك وصلت Anthropic إلى Claude Opus 4 وClaude Sonnet 4 في مايو 2025، مع تركيز أكبر على البرمجة والاستدلال والمهام طويلة المدى ووكلاء الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استخدام الأدوات أثناء التفكير الممتد.
من Claude 4.5 إلى Claude 5 عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي
مع أجيال Claude الأحدث أصبح الاتجاه أكثر وضوحاً نحو بناء أنظمة تستطيع التعامل مع مشكلات طويلة ومعقدة بدل الاكتفاء بالمحادثات القصيرة، وفي سبتمبر 2025 أطلقت Anthropic Claude Sonnet 4.5 مع تحسينات في البرمجة والوكلاء واستخدام الكمبيوتر، وواصلت تطوير Claude Code بقدرات أفضل على العمل مع البيئات البرمجية والمهام الممتدة.
ثم جاء Claude Opus 4.5 في نوفمبر 2025، وبعده Opus 4.6 في فبراير 2026، مع استمرار التركيز على البرمجة واستخدام الكمبيوتر والوكلاء والعمل المعرفي، وفي أبريل 2026 أطلقت Anthropic Claude Opus 4.7 مع تحسينات على المهام البرمجية المعقدة والمهام طويلة التشغيل.
وفي مايو 2026 قدمت الشركة Claude Opus 4.8، وأضافت إلى Claude Code تحسينات موجهة للتعامل مع مشكلات كبيرة، مع استمرار تطوير قدرات البرمجة والمهام الوكيلة واستخدام الكمبيوتر.
وفي يونيو 2026 أطلقت Anthropic Claude Sonnet 5 مع تركيز مباشر على الاستخدام الوكيلي، بما في ذلك التخطيط واستخدام المتصفح والطرفية والعمل بصورة أكثر استقلالية، ثم في يوليو 2026 أطلقت Claude Opus 5 مع تحسينات إضافية في البرمجة والعمل المعرفي والمهام طويلة المدى.
وبذلك أصبح تطور Claude مرتبطاً بشكل متزايد بقدرة النموذج على التخطيط واستخدام الأدوات وتنفيذ سلسلة من الخطوات ومراجعة العمل والاستمرار في المهمة لفترة أطول، بدل الاكتفاء بالإجابة على طلب واحد ثم التوقف.
Fable وMythos أحدث نماذج Claude المتخصصة

في يونيو 2026 قدمت Anthropic جيلاً مختلفاً من نماذج Claude تمثل في Claude Fable 5 وClaude Mythos 5، ويعتمد النموذجان على الأساس نفسه، لكن مع اختلافات في مستوى وسائل الحماية والاستخدامات المسموح بها، ما يعكس توجه الشركة نحو تطوير نماذج يمكن تخصيصها لمجالات أكثر حساسية.
صُمم Fable 5 للاستخدام العام، بينما ارتبط Mythos 5 ببرنامج وصول موثوق لفئات محددة، خصوصاً في أبحاث الأمن السيبراني والبنية التحتية، مع امتداد الاستخدامات إلى مجالات بحثية أخرى مثل علوم الحياة.
لكن إتاحة هذه النماذج لم تسر دون تغييرات، إذ أصدرت الحكومة الأمريكية في يونيو 2026 توجيهاً أدى إلى تعليق الوصول إلى Fable 5 وMythos 5 بصورة مؤقتة، قبل أن تعلن Anthropic إعادة إتاحة النماذج بدءاً من يوليو من العام نفسه.
وفي سبتمبر 2026 كشفت Anthropic عن Claude Fable 5.1 وClaude Mythos 5.1 باعتبارهما أحدث جيل من هذه النماذج، مع تركيز على البرمجة والعمل المعرفي وقدرات بحثية مرتبطة بالعلوم.
السلامة الفكرة التي بقيت في قلب Anthropic
رغم انتقال Anthropic من النماذج الأولى إلى الوكلاء والأنظمة القادرة على استخدام الكمبيوتر وتنفيذ مهام طويلة، بقي أمان الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من استراتيجية الشركة.
وكلما ازدادت قدرات النموذج، أصبحت السلامة أكثر تعقيداً لأن النظام لم يعد يكتفي بإنتاج نصوص، بل أصبح قادراً على استخدام الأدوات واتخاذ خطوات متتابعة والتعامل مع بيئات رقمية حقيقية.
ولهذا تواصل Anthropic تطوير وسائل لتقييم سلوك النماذج ووضع أنظمة حماية قبل نشرها، إلى جانب نشر تقارير وبطاقات سلامة مرتبطة بالنماذج الجديدة، مع استمرار الاعتماد على المبادئ التي تشكل جزءاً من نهجها في المواءمة.
لكن زيادة القدرات لا تعني أن جميع مشكلات السلامة قد حُلت، فظهور الوكلاء والأنظمة الأكثر استقلالية يفتح مجالات جديدة للمخاطر، وهو ما يجعل الموازنة بين قدرات النماذج والمواءمة والسلامة جزءاً مستمراً من تطوير Anthropic.
ما الذي يميز Anthropic في سباق الذكاء الاصطناعي؟
بنت Anthropic هويتها حول الجمع بين النماذج المتقدمة والسلامة والمواءمة والاستخدام المؤسسي والوكلاء، ومنذ البداية حاولت الشركة ربط أبحاث سلوك النماذج بمنتجات يمكن للمطورين والشركات الاعتماد عليها، بدل الفصل بين أبحاث السلامة وتطوير المنتجات.
ومع تطور Claude أصبح هذا النهج ظاهراً في انتقال الشركة من المساعدات الحوارية إلى البرمجة واستخدام الأدوات والكمبيوتر والمهام طويلة المدى، مع استمرار التركيز على التحكم في سلوك النماذج وحدود استخدامها.
اقرأ عن: تاريخ OpenAI من التأسيس إلى ChatGPT.
كيف وصلت قيمة Anthropic إلى مئات المليارات؟
النمو في قدرات Claude صاحبه توسع مالي وتجاري ضخم، فبعد جولات التمويل الأولى، واصلت Anthropic جذب استثمارات كبيرة مع اتساع استخدام Claude بين الشركات والمطورين، وفي سبتمبر 2025 أعلنت الشركة جمع 13 مليار دولار في جولة Series F عند تقييم بلغ 183 مليار دولار بعد الاستثمار.
ثم في مايو 2026 أعلنت Anthropic جمع 65 مليار دولار في جولة Series H، عند تقييم بلغ 965 مليار دولار بعد الاستثمار، وقالت إن الإيرادات السنوية الجارية تجاوزت 47 مليار دولار في ذلك الوقت.
وخصصت الشركة التمويل لتوسيع القدرة الحاسوبية، وتلبية الطلب على Claude، وتطوير المنتجات والشراكات، إلى جانب مواصلة أبحاث السلامة وقابلية تفسير النماذج.
كما توسعت الشركة في البنية التحتية المرتبطة بمنتجاتها البرمجية، ومن ذلك الاستحواذ على Bun في ديسمبر 2025 وهي بيئة تشغيل جافا سكريبت وتايب سكريبت، والذي ربطته Anthropic بتطوير البنية التحتية لـClaude Code، بعد النمو السريع للمنتج ووصوله إلى مستوى مرتفع من الاستخدام والإيرادات.
Anthropic اليوم ومستقبلها
حتى سبتمبر 2026 أصبحت Anthropic أبعد كثيراً من الشركة الناشئة التي بدأت في 2021 بأبحاث عن سلامة الذكاء الاصطناعي، تضم منظومتها اليوم Claude بمستويات متعددة، وClaude Code، وقدرات استخدام الكمبيوتر، والوكلاء، إلى جانب نماذج متخصصة مثل Fable وMythos.
وأصبح المسار العام للشركة واضحاً أكثر من أي وقت مضى، المنافسة لم تعد تدور فقط حول من يقدم أفضل إجابة في المحادثة، وإنما حول قدرة النظام على إنجاز العمل من البداية إلى النهاية، سواء كان ذلك في البرمجة أو البحث أو تحليل البيانات أو التعامل مع الملفات والأدوات والكمبيوتر.
وفي المقابل كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالية، زادت أهمية فهم سلوكه وتحديد حدوده ووضع وسائل حماية مناسبة له، ولهذا تظل السلامة والمواءمة جزءاً أساسياً من استراتيجية Anthropic بالتوازي مع سباق القدرات والأداء.
ولهذا فإن قصة Anthropic ليست مجرد قصة شركة أطلقت Claude وواصلت تحديثه، بل قصة تحول مستمر تحاول فيه الشركة الجمع بين زيادة قدرات الذكاء الاصطناعي وبين تطوير وسائل لفهم هذه الأنظمة وتوجيهها والحفاظ على قدر من السيطرة على سلوكها مع ازدياد استقلاليتها.
المصدر: Anthropic.