تُعد شركة OpenAI واحدة من أبرز الأسماء التي ساهمت في تغيير شكل صناعة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من مؤسسة بحثية غير ربحية إلى شركة تقف وراء عدد من أشهر نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العالم، وعلى رأسها ChatGPT.
لكن قصة OpenAI بدأت قبل ظهور ChatGPT بسنوات، وتحديداً في عام 2015، عندما تأسست بهدف تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة تعود بالنفع على البشرية، ومنذ ذلك الوقت مرت الشركة بعدة مراحل مهمة، بداية من الأبحاث وتطوير نماذج GPT، وصولاً إلى التحول التجاري والتوسع العالمي.
كيف تأسست OpenAI؟

بدأت OpenAI في عام 2015 كمؤسسة غير ربحية متخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، قبل الإعلان عنها رسمياً في ديسمبر من العام نفسه، وكان من بين الأسماء البارزة المرتبطة بتأسيسها سام ألتمان وإيلون ماسك وإيليا سوتسكيفر وجريج بروكمان، إلى جانب مجموعة من الباحثين والمهندسين في مجال الذكاء الاصطناعي.
في بدايتها لم تكن OpenAI تملك منتجات جماهيرية مثل ChatGPT، بل ركزت على الأبحاث والتجارب المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أن تطوير هذه التقنيات يجب أن يتم بطريقة تحقق أكبر فائدة ممكنة للبشرية.
وكان هدف المؤسسة المعلن هو تطوير الذكاء الرقمي بالطريقة الأكثر احتمالاً لتحقيق منفعة للبشرية جمعاء، بعيداً عن الضغوط المرتبطة بتحقيق عوائد مالية تقليدية.
واعتمدت الشركة في سنواتها الأولى على تمويل وتعهدات مالية من مجموعة من الداعمين والمستثمرين، وكان الهدف الأساسي هو توفير بيئة تسمح للباحثين بالتركيز على التطوير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي.
من الأبحاث إلى الحاجة لرأس مال ضخم
مع تقدم أبحاث OpenAI، بدأت الشركة تدرك أن تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً يتطلب كميات هائلة من القدرة الحاسوبية والاستثمارات المالية، وأظهرت تجاربها الأولى في مجالات مثل الألعاب والروبوتات أن زيادة قدرات النماذج ستحتاج إلى موارد حوسبة أكبر بكثير من تلك المتاحة لمختبر أبحاث صغير.
وفي عام 2019 أنشأت OpenAI كياناً هادفاً للربح بهدف مساعدتها على توسيع عمليات البحث والتطوير وجذب رأس المال اللازم لبناء أنظمة أكثر تقدماً، وفي العام نفسه أعلنت Microsoft عن استثمار بقيمة مليار دولار في OpenAI، إلى جانب شراكة تقنية تعتمد على البنية التحتية السحابية والحوسبة الفائقة.
مثّل هذا التحول مرحلة مهمة في قصة OpenAI، حيث أصبحت الشركة تجمع بصورة أكبر بين الأبحاث المتقدمة وتطوير التقنيات القابلة للتوسع التجاري.
بداية عصر نماذج GPT
ركزت OpenAI بشكل كبير على تطوير نماذج لغوية قادرة على فهم النصوص وإنتاجها، وهو المجال الذي أصبح لاحقاً أحد أهم عوامل نجاح الشركة، وكانت سلسلة GPT نقطة تحول رئيسية في هذا المسار، مع انتقال النماذج من التجارب البحثية إلى أنظمة أكثر قدرة على التعامل مع اللغة الطبيعية.
ظهر GPT-2 في عام 2019 كنقلة مهمة في تطوير النماذج اللغوية، حيث تمكن من إنتاج نصوص أكثر ترابطاً وفهم عدد من المهام المتعلقة باللغة، ثم واصلت OpenAI تطوير هذا المسار مع GPT-3، الذي ساعد على توسيع استخدام النماذج اللغوية في الكتابة والبرمجة والإجابة عن الأسئلة وغيرها من التطبيقات.
ومع استمرار تطور نماذج GPT، بدأت قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي تنتقل تدريجياً من نطاق الأبحاث المتخصصة إلى أدوات يمكن للمستخدم العادي التعامل معها بسهولة.
اقرأ عن: OpenAI تطلق GPT-6 Astra | أقوى قدراته ومميزاته الجديدة في الذكاء الاصطناعي
ChatGPT.. اللحظة التي غيرت سوق الذكاء الاصطناعي

في 30 نوفمبر 2022 أطلقت OpenAI خدمة ChatGPT لأول مرة، لتصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحة أمام جمهور واسع بطريقة لم تكن مألوفة من قبل.
أتاح ChatGPT للمستخدمين إجراء محادثات مع نموذج ذكاء اصطناعي قادر على الإجابة عن الأسئلة، وكتابة المحتوى، وتلخيص المعلومات، والمساعدة في البرمجة، وتنفيذ مجموعة واسعة من المهام، كما ساعد أسلوب المحادثة في جعل استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة بالنسبة للمستخدم العادي.
وسرعان ما أدى الانتشار الكبير للخدمة إلى زيادة الاهتمام العالمي بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ودفع عدداً من شركات التقنية الكبرى إلى تسريع تطوير نماذج ومنتجات منافسة، وبذلك أصبح ChatGPT واحداً من أهم العوامل التي ساهمت في انتقال الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الاستخدام الجماهيري.
اقرأ عن: ChatGPT يتيح محادثات بلا قيود مجاناً مع تحديث GPT-5.6 الجديد
GPT-4 وتطور قدرات النماذج
واصلت OpenAI تطوير نماذجها بعد نجاح ChatGPT، وكان من أبرز المحطات إطلاق GPT-4 في 14 مارس 2023. وجاء النموذج بقدرات أكثر تقدماً في فهم التعليمات وحل المشكلات والتعامل مع أنواع مختلفة من المهام، كما دعم إدخال النصوص والصور.
وكان GPT-4 امتداداً لمسار بدأ مع GPT وGPT-2 وGPT-3، لكنه أظهر مستوى أعلى من القدرة على التعامل مع المهام المعقدة، وهو ما ساهم في توسيع استخدام تقنيات OpenAI في مجالات مثل التعليم والبرمجة والأعمال والإبداع.
ومنذ ذلك الوقت استمرت الشركة في تطوير نماذجها وأنظمتها، مع التركيز على زيادة القدرة على الاستدلال والتعامل مع مهام متعددة وجعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة في الاستخدام اليومي.
OpenAI اليوم
لم تعد OpenAI مجرد مختبر أبحاث، بل أصبحت شركة تطور وتنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي لمستخدمين وأفراد وشركات حول العالم، مع استمرار تركيزها على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.
وتتمحور مهمة الشركة حول ضمان أن يعود الذكاء الاصطناعي العام AGI بالنفع على البشرية جمعاء، وتستخدم OpenAI مصطلح AGI للإشارة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي عامة ذات قدرات واسعة تتجاوز قدرات البشر في عدد من المجالات.
كما شهد الهيكل التنظيمي للشركة تطورات كبيرة، ففي عام 2025 أصبح الكيان غير الربحي يحمل اسم OpenAI Foundation، بينما أصبح الجانب الهادف للربح OpenAI Group PBC وهي شركة منفعة عامة ووفق الهيكل المعلن، تواصل المؤسسة غير الربحية السيطرة على المجموعة.
وفي الوقت نفسه استمرت علاقة OpenAI مع Microsoft في التطور، فقد بدأت الشراكة بين الشركتين في 2019، ثم توسعت لاحقاً لتشمل البنية التحتية والحوسبة السحابية وتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
ما الذي تسعى إليه OpenAI مستقبلاً؟

تركز OpenAI على تطوير نماذج أكثر قدرة، مع العمل في الوقت نفسه على جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وفائدة، ولا تقتصر رؤية الشركة على تطوير نماذج جديدة فقط، بل تمتد إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المنتجات والخدمات والأعمال اليومية.
وتقول OpenAI إن مهمتها الأساسية تتمثل في ضمان أن يعود الذكاء الاصطناعي العام بالنفع على البشرية جمعاء، وهو ما يجعل تطوير القدرات والسلامة والاستخدام المسؤول جزءاً من مسار الشركة في السنوات المقبلة.
قصة OpenAI من 2015 إلى اليوم
يمكن تلخيص تاريخ OpenAI في رحلة بدأت عام 2015 كمؤسسة غير ربحية تركز على أبحاث الذكاء الاصطناعي، ثم تحولت مع زيادة متطلبات الحوسبة والتمويل إلى هيكل يسمح بجذب رؤوس أموال أكبر، قبل أن تصبح نماذج GPT ثم ChatGPT من أبرز التقنيات التي غيرت طريقة تعامل المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي.
ومع استمرار تطور النماذج وتوسع الشراكات والاستثمارات، تحولت OpenAI خلال ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن من مشروع بحثي طموح إلى واحدة من أبرز الشركات في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، مع استمرار المنافسة العالمية على بناء أنظمة أكثر قدرة وفائدة.
مصادر المعلومات: إعلان تأسيس OpenAI, إعلان استثمار Microsoft في OpenAI, إعلان إطلاق ChatGPT, إعلان عن GPT-4, الهيكل التنظيمي لـ OpenAI